جورج طرابيشي | من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث

لا اعتقد باي طريقة اني سأستطيع ان اكتب عن الكتاب مثلما فعل الاستاذ سعيد ناشيد لذلك انقل ما قال

____

قراءة وجدانية في كتاب لجورج طرابيشي «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» / سعيد ناشيد

 هذا الكتاب نفق جديد

يحاول الكتاب أن يرصد، بوعي ثاقب ورؤية عميقة، تفاصيل «الانقلاب اللاهوتي» على قيم القرآن طرداً مع الانقلاب على قيم العقلانية والتحول من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ.

فبعد أن كان الله مصدراً وحيداً للتشريع، وكان الرسول مجرد متلقٍّ «مكفوف اليد من الناحية التشريعية» (ص: 11)، بل أن الله لم يكن يتردد في تأنيب الرسول أو ردعه على أحكام اتخذها من دون مرجع من الوحي، وبعدما كان النبي مبعوثا حصراً إلى العرب غير الكتابيين لينذر «أم القرى ومن حولها» فقد طرأ انقلاب لاهوتي بموجبه تحول النبي من نبي «أمي» إلى نبي «أممي»، وأضحى مشرعا يوازي في سلطته التشريعية التشريع الإلهي إن لم يتفوق عليه في الأخير.

ففي سياق تضخم مدونة الحديث، بدءاً انقضاء قرنين عن زمن الرسول، تحولت صورة النبي من مجرد مبعوث بشري إلى «أمة» محصورة و«بلسان قومه» حصراً، تبعا للمعجم القرآني نفسه، إلى صورة مبعوث خارق إلى البشرية جمعاء بل إلى الإنس والجن أجمعين.

يتعلق الأمر هنا بانقلاب لاهوتي يكاد يقارب حالة الانقلاب اللاهوتي الذي شهدته المسيحية الغربية هي الأخرى بدءا من انقضاء قرنين عن زمن رسولها، وانتهى إلى احتلال المسيح مكانة أقنوم من ثلاثة أقانيم.

4/ سيرة الانقلاب اللاّهوتي

لهذا الانقلاب اللاهوتي الإسلامي سيرورة انطلقت رسميا مع ظهور المذهب المالكي، الذي ساوى بين حجية القرآن وحجية الحديث، ومع ذلك فقد حافظ على «مكسب» نوعي، حين قرر «إبقاء باب التناقض في النصوص مفتوحا» (ص: 113)، ما يمنح «بحد ذاته هامشا من الحرية» (ص: 113). ومقصود القول ان صار بوسع المسلم أن يستفيد من عدم نزوع الفقيه إلى تسوية تناقض الأحكام وإغلاق الباب بدعوى الحكم الواحد، فيبقى باب الاختيار مفتوحا أمام ما تقتضيه الأحوال. غير أن الذين جاؤوا بعد الإمام مالك لم يتساهلوا مع أي اختلاف أو تناقض في الأحكام، ولا هم استساغوا السكوت الذي كان يحبذه مالك عندما كان يقال عنه مثلا: أجاب عن مسألتين وسكت عن الثالثة. وقد استعاضوا عن هذا التورع بالتسرع سعيا إلى «تكريس واحدية الحقيقة» (ص: 113).

كانت البداية المدوية مع الإمام الشافعي، الذي اخترع آلية الناسخ والمنسوخ، بهدف تأكيد واحدية الحقيقة. وهو الذي عظم من شأن السنة بنحو لم يسبق إليه الآخرون. ومن أجل ذلك نراه لم يتورع في أن يفرض على المعجم القرآني استقراء جديدا بموجبه يدل الكتاب على القرآن وتدل الحكمة على السنة. مع ما في ذلك من خرق سافر لقواعد اللغة «فليس في معجم العربية ما يمكن أن يستدل منه أن الحكمة تعني السنة، ولا السنة تعني الحكمة» (ص: 182).

ومع ذلك فإن الغلقة اللاهوتية لم تكتمل مع الشافعي، الذي حافظ في كل الأحوال على آلية القياس، ما يعني الإبقاء على فجوة صغيرة يتسرب منها بعض الهواء إلى العقل الذي بدأ يعاني أعراض ضيق في التنفس.

وبخلاف ما يظنه الكثيرون، فإن الغلقة اللاهوتية قد اكتملت مع المذهب الظاهري الذي جاء به ابن حزم، وهو المذهب الذي بوسعنا أن نعتبره مذهبا خامسا.

صحيح أن ابن حزم يفتتح كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» منافحا عن «حجية العقل في التمييز بين الحق والباطل» (ص: 297)، ما حدا بالمفكر الراحل محمد عابد الجابري إلى إدراجه ضمن نوع من «العقلانية المغربية!»، إلا أن الذي حدث بالذات أن ابن حزم أعلن «تسييد العقل وأقاله في آن معا» (ص: 296).

يقول ابن حزم مبينا القداسة المطلقة لظاهر النص: «ولسنا معترضين على ربنا تعالى ولا على نبينا (ص)… ولا ننكر شرعهما الشرائع علينا… ولو أمرانا بقتل آبائنا وأمهاتنا وأبنائنا لسارعنا إلى ذلك مبادرين» (ص: 309).

هكذا إذاً، ومن خلال ابن حزم، أمسى النص الذي هو القرآن والسنة مقياس كل شيء، مقياس الحقيقة والحق والواجب والممكن، لا اجتهاد في حضرة النص ولا قياس أو تأويل أمام منطوق القرآن والسنة. أفلا تكون هذا النزعة الاسمية الظاهرية والمكرسة في التراث هي منبع أصول التطرف؟

وعلى سبيل الاستدلال على قوة الأطروحة، لنتذكر بأن عبد السلام فرج مؤلف كتاب «الفريضة الغائبة» الذي اعتُبر لسنوات طويلة إنجيل المتطرفين، كان ينطلق من القراءة الظاهرية للآية (كتب عليكم القتال) والتي تماثل اسميا الآية (كتب عليكم الصيام)، ما يجعل القتال فرض عين على كل مسلم. مع استثناء ظاهري هو الآخر، يتعلق بأن القتال يظل وقفاً على الذكور.

5/ من الانقلاب اللاهوتي إلى الانقلاب السياسي

بعد هذه الرحلة في ثنايا كتاب يستكشف مغارات الغلقة اللاهوتية، من حقنا أن نبرز خلاصة أساسية : ذلك أن المسار الانقلابي الذي انتهى إلى «تغييب القرآن وتغييب العقل وتغييب التعددية في الأيديولوجية الحديثية» (ص: 630) والذي يظل «هو المسؤول الأول عن أفول العقلانية العربية الإسلامية» (ص: 630)، كما يقول جورج طرابيشي، يضعنا أمام فرضية إصلاحية جديدة تتعلق بأن الإصلاح اللاهوتي يعد مدخلا رئيسا نحو الإصلاح السياسي.

ومعنى ذلك أننا مدعوون لأن نراهن مجدداً على روح «التوحيد التنزيهي» من أجل إعادة الرسول إلى موقعه الطبيعي ضمن نسق اللاهوت الإسلامي: «نبي بلا معجزة»، بلا عصمة، بلا قداسة، بلا وصايا، بلا ألواح، إن هو إلا حامل لمشروع رؤية أنطولوجية مفتوحة على كل تأويل بشري جديد.

لقد انتهى الانقلاب اللاهوتي إلى الدولة مع الانقلاب المتوكلي الذي قاده عاشر خلفاء بني العباس، وهو الذي حاول استقطاب العامة عبر التقرب من أهل الحديث وتجييش الناس ضد المعتزلة والأقليات الدينية والمذهبية، لا سيما في وقت شهدت فيه العاصمة بغداد تضخما سكانيا كبيراً، وأصبحت العامة لأول مرة سؤالا سياسيا قابلا للاستثمار لجهة التحريض على العقلانية والفلسفة والتسامح والانفتاح. وهكذا كان.

هنا بالذات قام أهل السنة والحديث، وعلى رأسهم «إمام العامة» ابن حنبل، بدور طليعي في توجيه العامة نحو أسطرة السنة وتقديس النصوص وإغلاق باب الاجتهاد حتى إشعار آخر.

6/ كلنا في لبنان، وجورج أيضاً

كان العنوان المقرر أصلا للكتاب هو «الانقلاب السني»، وقد قدر له أن يُمتحن قبل إصداره، على منهاج النزعة الظاهرية الاسمية التي واجهها الكتاب في الجوهر ثم واجهته في المظهر، بدءا ووقفا على العنوان. وأين؟ في معقل حساسياتنا العربية.

فبينما الكتاب في المطبعة إذ تلقى كاتبه توصية تدعوه لتغيير عنوان الكتاب.

المبرر؟

مراعاة الحساسية الطائفية في لبنان.

قلت له:

لبنان ثقافتنا وجمالنا ومقاومتنا، لكنه أيضا علتنا وفقرنا وأسْرنا. لبنان ذاك القلب الصغير الذي يسع العالم كله، ألهذا الحد يضيق بنا أحيانا؟ هل لأننا غدونا فجأة أكبر من الراهن أم أننا في الأخير ضاقت بنا الدنيا بما رحبت؟

كلنا في لبنان؟

نعم؛ أيتها الذات الأخرى داخل ذاتنا المتنوعة حد الجروح التي ينكؤها العابثون بعثراتنا، أيها «الذمي» فينا على قدر دمائك الجارية في شراييننا، أيها «الذمي» الاخير باشتراط قيام ساعة إصلاح اللاهوت الحاضر فينا حضور الشجن في البدن.

قال لي:

نعم كلنا في لبنان، بحساسياته المفرطة وإفراطه في الحساسية إلى حد ضيق التنفس الحاد. ولا أدل عن ذلك يوم طلبت مني أن لا أذكر «كأس الويسكي» حين ذكرته في شهادة تعزيتي في حق مفكرنا الراحل محمد عابد الجابري، وكان معي ذات يوم في باريس عندما ارتشفنا سوية قطرات بحسبان.

قلت له:

لو أني قرأت وقتها كتابك هذا وما ذكرت فيه من اجتهادات فقهية ثرية حول الخمور وما حرم منها لأنه «مخمر» وما لم يحرمه الكثيرون لأنه «مقطر» لما طلبت منك ذلك. فما شربتماه ليس من جنس المخمرات بل هو من جنس المقطرات. أفلست ترى معي؟

وأخيراً سأقول إن جورج طرابيشي ومحمد عابد الجابري شربا على مذهب أبي حنيفة أو غيره، والمهم أنهما لم يفعلا ذلك على منهاج النزعة الاسمية الظاهرية، التي فرضت على الأستاذ جورج في الأخير أن يغير عنوان الكتاب.

ولا بأس إن كنا كلنا في لبنان.

(…)

نخبك.

[ جميع الإحالات من كتاب «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة»، رابطة العقلانيين العرب ودار الساقي ـ بيروت، 2010.

تحميل الكتاب من هنا download

عن جريدة السفير 20/07/2010

هذا المنشور نشر في ورق وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s