مدن الملح : التيه ، عبدالرحمن منيف

كتابة رواية، بالنسبة لي ، نوع من المرض أو الجنون

حسناً ، لا يبدو ان عبدالرحمن مينف يكذب في يومياته التي اقتبست منها الجملة اعلاه ، في مدن الملح يتأكد لدي هذا الشعور بقوة ، فعندما اتممت قراءة جميع رواياته  ولم يبقى امامي الا “مدن الملح” و”ارض السواد” كنت لا ازال غير متأكد لاني اعلم مدى قيمة هكذا اعمال لمنيف نفسه ، لذلك فهي ليست رواية عادية (ولكي لا انسى احب ان اقول لاتحاد الكتاب العرب “طز” فيكم وباتحادكم وبقائمتكم  التي وضعتم مدن الملح في ذيلها لتكون ذاكرة الجسد في المرتبة العاشرة !!! ) .

في مدن الملح يبرز منيف كما لم اتخيله ، انه اكبر واضخم ؛ ذلك الروائي المتفوق العالمي حقا ، هذا لا يعني انه يغير اسلوبه ابدا ، بل انه يكثف من هذا الاسلوب ويعمقه ويزيد من قوته وطغيانه ، ببساطة انه عبدالرحمن منيف التقليدي لكن مضخماً بشكل جذاب .

تبدأ الرواية في احدى واحات الصحراء لتظن ان منيف يبدأ من مرحلة متأخرة جدا ، فهو يتكلم عن القوافل وعين الماء والمضافة والصحراء الواسعة والناس الذين لا يعرفون شيئا غير هذه الصحراء ، وادي العيون جنة القوافل وسط الصحراء وناسها ورجالها واطفالها ونخلاتها وكل هذه الاشياء الاخرى التي ستتغير بمجرد قدوم الامريكان ليبدأ التنقيب عن النفط وسط سخط البعض وحلم المغررين من قبل رجال الحكومة بالذهب والكنوز تحت اقدامهم ، لتمحى هذه الواحة ويرحّل سكانها وتقام مكانها هذه “الشركة” .

قبل ان اقرأ الرواية ظننت ببساطة انه ضخمة جدا لان منيف يعطي تفاصيل كثيرة ويروي كل شيء بالتفصيل الممل ، وهكذا فان اليوم في الواقع يستهلك يوماً من القراءة ، في حين ان الامر كان غير هكذا ابدا ، فمنيف عندما يبدأ بالكلام عن امر جديد فهو يجزل ولا يترك لك الفرصة لتقول انه نسي بعض التفاصيل او انه استعجل لينتقل الى نقطة اخرى ، اما اذا انتهى من وصف الناس والدخول الى نفسياتهم وافعالهم وما يحبون وكيف شكل وادي العيون وكم بيت في حران وحال ام الخوش ، فانه يحدثك بصفتك اصبحت تعرف كل شيء لذلك فالوقت مخصص للحداث الهامة او للشخوص الهامة ، اما الاشخاص الثانوية فببساطة يـ”خرج الصوت من رجل ما ” او “ليعود ذات الرجل الذي تكلم اول مرة” .

يستطيع منيف ان ينتقل من شخص الى اخر ومن مكان الى اخر بكل سلاسة ، فادوار البطولة الموزعة للامكان والاحداث والاشخاص تنتهي حين ينتهي وقتها وحسب اهميتها ، ولذلك فان “متعب الهذال” يختفي في الصحراء بطريقة غريبة ليبقى طيفه مخيما طول الرواية ، اما ابن الراشد والامريكان فهو ايضا يجيد التصرف معهم كاشخاص مؤثرين ، وهكذا الاماكن والاحداث مثل اطلاق النار في معسكر الامريكان من قبل جوهر .

الرواية كما روادتني الافكار عندما كنت اقرأ عنها ، تمثل ملحمة ووثيقة تاريخية بالرغم من روائيتها ، فمنيف اراد بهذه الرواية ان يعود الى عصر مهم ، ذلك العصر الذي حول رمل الصحراء الى ذهب ، وحين تحول رعاة الابل الى اصحاب اموال والخدم الى قادة عسكر وجيوش ، والاطباء العابرون الى ملاك واصحاب مستشفيات ومستشارين .

ببساطة الرواية حقا “تؤرخ” لمرحلة مهمة وبطريقة ذكية .

هذا المنشور نشر في ورق وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to مدن الملح : التيه ، عبدالرحمن منيف

  1. arabobserver كتب:

    حبيت هذه المدونة.. عمل جيد 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s