مدن الملح : بادية الظلمات

لا ابالغ ان ذكرت هنا ان متعة  من نوع ما كانت تظهر في عيونهم ، او على ملامحهم، وهم ينقلون او وهم يستمعون، وكانهم يلتذون بالاحزان، او يجلدون انفسهم بهذه الطريقة الفذة. هل ادمنو الحزن الى درجة اصبح متعة لهم؟ الا يعرفون الفرح، او لا يعتبرونه ممكناً وحقيقياً؟ ان في الامر ما يتوجب التوقف، وقد تشكل الاجابة على مثل هذه التساؤلات مفتاحاً لفهم الشخصية

وانا اقرأ الجزء الاخير من مدن الملح وقبل ان انهيه كنت اشعر احيانا ان عبدالرحمن منيف كان يريد الوصول الى هذا الجزء الاخير ليقول كل ما لديه وكل ما لم يستطع قوله في الاجزاء السابقة .

يقسم منيف هذا المجلد الى جزئين ، ذاكرة الامس البعيد وذاكرة الامس القريب ، يتحدث في الجزء الاول عن الاب ، خريبط مؤسس السلطنة الهديبية ، اما الجزء الثاني فيتحدث عن ايام ابنائه ، كيف استلم احدهما الحكم بعد ابيه متأثرا بمحاولة الاغتيال التي تدخل هو ليحمي اباه ويتعرض للجروح والشكوك بنفس الوقت انه هو من دبر هذه المكيدة حتى يرجح كفته بالنسبة الى مسألة خلافة ابيه ، ويستمر الى الابن الاخر -الذي يحضى باهتمام منيف اكثر خلال الرواية بشكل عام- وهو فنر ، كيف انقلب على اخيه ما ان سافر خارج البلاد بعد زواجه من ابنة الحكيم .

في الرواية كثير من السياسة ، بالتوازي مع التاريخ ، ربما في هذا الجزء يحاول منيف -او يفعلها دون ان يكون قد حاول فعلا- ان يثبت ان ما يتحدث عنه ليس فقط رواية وشخوص من خياله ، بل انه يتحدث عن التاريخ الذي لا نعرفه ، ويتحدث عن العاب السياسة كيف كانت وكيف اسست احدى اكبر واقوى الدول في منطقة الشرق الاوسط ، بامكاننا ان ننظر مثلا الى ذكره مسألة تسمية الدولة الحديثة وكيف حصلت ، فهو يذكر ان المساعد البريطاني للملك “خريبط” كان قد طلب لقاءه احدى الليالي وعلى انفراد ليسرّ له انه بصدد ان يقول رأي مهم وبعد تفكير طويل بالموضوع ، بعد شروحات طويلة يقترح هذا المساعد ان يتم تغيير اسم الدولة الحديثة التي نتجت عن عمليات توسع وفرض سيطرة على مناطق واسعة لم تكن تتبع للمنطقة التاريخية ، قال انه يجب ان يضع اسم للدولة يشمل بما فيه هذه المناطق ، وبعد السؤال من السلطان يجيبه ان الاسم يجب ان يكون “السلطنة الهديبية” نسبة الى اسم جد السلطان الاكبر هديب .

في هذا الجزء يتحدث منيف كثيراً عن الوضع الجديد للدولة ، فجزء ذاكرة الامس القريب الذي يأخذ الحيز الاكبر منه يتحدث فيه منيف عن ايام حكم السلطان فنر ، وكيف ان الحكم يغير الامور والاشخاص ، وكيف تحاك المؤامرات داخل العائلة الحاكمة وكيف يحاول كل منهم ان يقوي نفسه على حساب الدولة نفسها ، وكيف يبقى هذا السلطان الجديد خائفاً حتى اخر ايام حياته من محاولة انقلاب او اغتيال  ، ليعيش في حالة ارق شبه دائم .

عبدالرحمن مينف كالعادة لديه قدرة بارعة على صياغة النهايات لرواياته ، وعلى ما يبدو فانه مولع بالموت ليترك هذه النهايات تترك اثرها في نفس القارئ ، فبالرغم من المفاجآت الكثيرة في الرواية الا ان منيف لا يكتفي فينهي مدن الملح بعملية اغتيال كبيرة ومفاجئة .

____

ربما سأتحدث لاحقا في تدوينة منفصلة عن تجربة مدن الملح باكملها فالفترة الزمنية والانهاك والمتعة في نفس الوقت تستحق ذلك .

هذا المنشور نشر في ورق وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to مدن الملح : بادية الظلمات

  1. مساء الخير أسامة ..
    حاولت أحط تعليق على التدوينة الاولى ما زبط ما بعرف ليش .
    ممنوعة التعليقات عليها 😀 ؟

    زمان عن المدونة ^_^

    • Osama كتب:

      مسا الورد ستنا ، اه هو صراحة موقف التعليقات على “التدوينة” الاولى وكل شوي عم يخطرلي احولها لمسودة او لمكان ثاني
      زمان عنك : )

  2. ليش ؟ بالعكس حلوة التدوينة .

    تخرجت ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s